للنخبة رأي

فوضى غرب أسيا و داء فقدان المناعة المُسْتَعْرَبَة !

إننا لا نجِدُ تَمَظْهُراتٍ كريهةٍ للحقد و الضغينة و سوء التقدير و ذميم الكياسة، إلاَّ من خلال هذا الرُّكام من السِبابْ السياسوي المتراكِم، الذي يَنْسف عُرَى التماسك و التضامن العقلاني بين شعوب الدول  العربية و الإسلامية. 

 

و على سبيل البدء ، فإن مواقف المملكة المغربية تدعو -جميع من يهمهم الأمر- إلى ضرورة التأسيس لمرحلة مكاشفة صادقة، واضحة و بناءة. 

 

مرحلة مكاشفة تُمَكِّنُنَا من تجاوز بؤس الخطابات الشعبوية الفوضوية التي تناقض طموحات الشباب في بزوغ فجر الصعود الحضاري المنشود.

 

 

مرحلة مكاشفة تساعدنا على اجتناب سفاهة الاستقواء الجاهلي الفارغ على بعضنا البعض، و تجاوز فشل الديبلوماسية السائلة بالابتزاز و شراء الذمم ، قصد إيجاد حلول عقلانية عملية فعالة للأزمة الخطيرة التي تتخبط في أوحالِها العديد من أنظمة الدول العربية و الإسلامية

 

و لعل أبشع هذه السلوكيات المقيتة، نجدُها ظاهِرةً في تجليات جرائم الحرب الغادرة العدوانية التي يرتكبها النظام الجزائري المتعفن ضد الوحدة الترابية للمملكة المغربية. هذا النظام الحقود الذي ما إنفكَّ يهدد السلم و السلام بمنطقة شمال افريقيا، بشكل يمتد إلى تهديد الأمن القومي العربي- الإسلامي و زعزعة الاستقرار الإقليمي و القاري. 

 

و هَا نحن – داخل تيار ولاد الشعب- نُجدد رفضَنا المُسْتَميت لتغميم فوضى استنزاف الجهود و الطاقات في معارك الهدم، و ليس في استكمال بناء الصرح المغاربي الكبير القادر على إحقاق حلم الشباب في مجتمع التنوع البشري، مجتمع السلم و السلام و الحرية و المساواة و الكرامة و العدالة الثقافية و الاجتماعية و المجالية. 

 

إن شعوب الدول العربية و الإسلامية تتألم – ليل نهار – أمام حسرة متابعة واقع التشرذم و انشطار العلاقات الديبلوماسية بين المملكة العربية السعودية، و معها دولة الامارات العربية المتحدة و مملكة البحرين و الجمهورية العربية المصرية من جهة، وعلى نقيض هذه الجهة توجد دولة قطر.

 

و إذا كانت مواجهة خطر التغلغل الإيراني الذي تجاوز مداه الجغرافي و السياسي و الديني فضاء غرب أسيا ، و بلغ خطره حدود المس بالأمن القومي المغربي من خلال وضعية التمترس خلف قواعد معسكرات جبهة البوليساريو الإرهابية جنوب الجزائر، و تكليف ذراع “ولاية السفيه” حزب حسن اللبناني بِنَقل الامتداد الثوري الإيراني من خليج فارس إلى المحيط الأطلسي. 

 

نعم ؛إذا كانت مواجهة هذا التغلغل الإيراني تتطلب وحدة  قوية قادرة على كبح جماح اختراقاته التَّوَسعِية، فإن الواقع الملموس يؤكد فشلِ دولِ الجامعة العربية في وضع استراتيجية عمل مُوَحَّدة فعالة قمينة بدرء مفاسد هذا التغلغل السافل.

 

و أمام الآثار السلبية لرفض بعض الدول المسماة عربيةً إحقاقَ المادة الثامنة لميثاق جامعة الدول العربية، و التي تنص علي ما يلي: 

 

” تحترم كل دولة من الدول المشتركة فى الجامعة نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى، وتعتبره حقاً من حقوق تلك الدول، وتتعهد بأن لا تقوم بعمل يرمى الى تغيير ذلك النظام فيها”.

 

فإن الكثير ممن يؤرقهم هذا الظرف الديبلوماسي العربي المشحون يشتركون في إحساس المرارة والحسرة على إنزلاق مجريات الصراع القادم من غرب أسيا  نحو حالة عَمَاه الديبلوماسية، التي تعلن إقتراب زمن خريف ميثاق جامعة الدول العربية. 

 

هذا الخريف الذي سَبقَهُ سقوط أوراق التضامن المشترك، نتيجة صَرْصَر اللَّغو العَنْجَهِي و رفض مبادرات إصلاح ذات البين التي بادرت إليها المملكة المغربية، بكل حسن نية و وفاءً لروابط تاريخية عزيزة على قلوب المغربيات والمغاربة، روابط عميقة يحفظها تاريخ عريق يجمع الشعوب، روابط وحدوية كانت ينابيعُ التشبث بها تنطلق من أواصر الأخوة المتبادلة و شعارات وحدة المصير ، و كذلك وحدة الخلاص.

 

وهنا -أيضا-، لا بأس من التذكير بالحرب الإعلامية التي شَنَّ غاراتِها قُطْبَي القنوات الخليجية المُمَوَّلَة من ريع أموال البِتْرودُولاَر العربي – و أخُصُّ بالذكر قناة “الجزيرة” و قناة “العربية” -، حيث أنهما تَعَمَّدَتَا – مرات كثيرة- عرضَ خريطة المملكة المغربية مفصولةً عن أقاليمها الصحراوية بالجنوب المغربي. 

 

و هذا ما يُثْبتُ بالملموس أن المملكة المغربية – الصابرة المُحْتَسبة – تتعرض لِطعنات عربية غَادِرَة تستهدف الوحدة الترابية لِمغرب الاختيار الديمقراطي الذي لا رجعة فيه، تستهدف الوحدة المغربية المتعددة الروافد الثقافية و الرائدة في ترسيخ أنموذج جميل للتعايش الإنساني المختلِطْ.

 

كما أن مستوى العنف اللفظي والإشاعة المُمَنهجة الذي يُصاحِب النقاش داخل بلاطوهات هذه المدافع  الإعلامية أصبح علامة فَارِقَة تَدُلُّ على دُنُوِّ حِقْبَة ” الخريف العربي-الإسلامي”، و الذي قد تتساقطُ معه أوراق ما تبقى من شُجَيْرات التضامن السليم و الأخوة  المتبادلة و حرمة الجوار.

 

هذا الخريف البئيس بانعدام الشروط الذاتية والموضوعية القمينة بمواجهة الخلاف العربي-الإسلامي الواقع، و القضاء على مُسَبِّبَات انهيار ميثاق جامعة الدول العربية الذي يظل عهده رهينا بالالتزام بمبادئ احترام السيادة الوطنية للدول ووحدتها الترابية، و التوقف و الامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية.

 

وحيث أننا لسنا بمقام قراءة النوايا المستورة، فلابد من التنبيه -كذلك- إلى أخطر المخاطر التي باتت تتربص باستقرار “الوطن العربي-الأمازيغي” المتميِّز بالتنوع الثقافي العريق. هذه المخاطر التي تتجسد في حالة الزيغ عن أولويات تحصين المناعة العربية التي تفرض أن يظل أمنُنا القومي الداخلي في منأى عن أي تدخل أو تأثير خارجي.

 

فلا بد من اعتماد الواقعية السياسية في استقراء الأفاق الاستراتيجية لوحدة شعوب الدول العربية، و الإسلامية، التي تعبث بمُستقبلها عشوائية التصرفات غير اللائقة و العماه الديبلوماسي و نرجسية التفاضل غير الأخوي. 

 

بالتالي، لا مناص لنا من ضرورة استيعاب مواقف المملكة المغربية الداعية إلى اعتماد خطاب العقل الحكيم، لكي نستطيع به اجتناب مصيبة القطيعة التامة بين ما تبقى من وشائج الروابط بين الدول العربية-الإسلامية، و التشبث بما يمكن الوصول إليه من تعاون محمود و شراكة مثمرة، و اجتناب اتباع الهوى الآمر بالسوء.

 

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإننا نَتَّجِهُ -أيضا- بالسؤال إلى حكماء دولة قطر حول أسباب ومُسَبِّبات احتضانِها و منحها حماية الإقامة على أراضيها لشيوخ ذاك “الاتحاد الإرهابي لسفهاء المسرفين” الذي يتدخل في شؤون الأمن الروحي للمغربيات والمغاربة بشكل سافر. 

 

فلا يمكننا التغاضي عن هذه التهمة/ الجريمة لأن لا أحد يستطيع نفي الوقائع الميدانية المرتبطة بوجود شيوخ هذه الجماعات المتطرفة الخطيرة رفقة قياداتها التي تتدخل في شؤون المغرب الدينية تحت ضيافة مادية قطرية-تركية.

 

و لأن المناسبة شرط ؛ فاسمحوا لي بطرح السؤال التالي :

 

أَين غيبَ عَقْلُ أُورْدُغَان حتى إِنجرَّ خَلْفَ وَهمِ الأَمانِي الإبْليسِية من خلال  طُموحاتِهِ العسْكرية لِتَرْبِطَ فَوْضَى مَضْيَقِ هُرْمُزْ بِقَلْبِ هُدُوءِ البحرِ الأبيضِ المُتَوسِّطِ ، و يَجْحَظ بَصَرُ اللاَّطيِّب أُوردوغان شاخِصا يُريدُ إِشْعَال فَتِيل حرب الصحْراء. حيثُ إِنْقَلبت أَحْدَاثُ هَذه الدْرَامَا التركية المُدَبْلَجَة نحو إشْهارِ باطلِ تقْريرِ مصيرِ ” الشعبِ العَربِي الصَّحْراوِي ” المزعومِ، و نشْرِ زورِ جمهورية الجزائر الذي تَأَسسَّ وَهْمُهُ على عقيدة الحقد و الإبتزاز باستهداف المصلحة العليا للأمة المغربية.

 

ثم نمضي مع التنبِيهِ إِلى سياقٍ مُوازِ، كَيْ يَتَراءى لنا الفاتحُ فَمَهُ أُورْدُغان و هوَ يتأبطُ شر الغزواتِ التَّوَسُّعِيَّة نحو العمق الإستراتيجي الإفريقي.

 

فها هو قد نَقْلَ قواتهِ من أجلِ تقسيمِ ليبْيا و زَعْزَعَة إسْتِقْرَارَ المُتَوَسِّط. وَ هَا هُم منكُم! شهُود عيان على مَقَالِبِ  ” قيامة أردوغان ” و إنْزِياحِ قَناتِهِ التُّركية الرسمِية نحوَ تَلْفيقِ الألقابِ المائعة و إِلْصاقِهَا بأَيْقُونَة الترويج لأَبَاطِيل إِعلان تقسيم الوطن المغربي العريق.

 

أيضا، فالمعطيات الميدانية المعلومة تؤكد ارتباط خلايا “الاتحاد الإرهابي لسفهاء المُسرِفين ،بأجندات تركية “شبه انقلابية” داخل بعض الدول. و تكشف كذلك عن استفادتها من امتيازات عدم إدراجها ضمن لوائح الأمم المتحدة للجماعات الإرهابية، واختباء بعضها الآخر خلف واجهات الدعوة أو المقاومة، أو تحت غطاء أيديولوجيا أحزاب التدين السياسي.

 

كل ما سبق بَسْطُهُ يؤدي إلى فضح محاولة تلبيس الشرعية و المشروعية القانونية و الدعَوِيَّة، و تبييض وجهِ “دعاة الإرهاب” بشكل يجعل من إمارة قطر التركية مُتورِّطة -عن قصْد أو دونه-. وذلك وِفق سيناريو مُشابِه تمامًا لما سبق أن قام به التبشير الوهابي التَّلَفِي من تقسيم شعوب الدول العربية و الإسلامية إلى معسكر الإيمان و معسكر الكفار، وكانت النتيجة بروز تَديُّن داعشي قاتل للإنسان ورافض للديمقراطية التشاركية و الحداثة الشعبية و الحكامة العقلانية القادرة على إحقاق المطالب الشبابية في الإقلاع الحضاري الرزين.

 

و لأننا نحن جيل الأمل و التفاؤل ، يستمر رجاؤنا في الله القدوس المُتعال قصد تيْسير تدشين حقبة عربية-إسلامية جديدة ، و التحول النوعي نحو اعتماد استراتيجية عقلانية مُوَحَّدة، استراتيجية مُتَبَصِّرة سلمية و فعالة . نتفادى من خلالها ويلات “حرب الإخوة” التي قد تُدخل المنطقة و العالم في دوامة عنف لامُتناهِية ، بعد أن أَنْهَكَنَا الواقع المستمر الموشوم بِتْراجِيدْيَا متابعة مآسي الفرقة، الحزن، الألم و ضياع البلاد و العباد .

 

 

 

ملحوظة لا بد منها : نحن لسنا بمفترق طرق حتى نَنْبَطِحَ أمام بيادق الخطر الإيراني التوسعي، أو حتى نضطر  للإرتماء العاري في أحضان الحماية الاستعمارية التركية !.

 

 

 

عبد المجيد مومر الزيراوي، 

 

شاعر وكاتب مغربي

 

رئيس تيار ولاد الشعب

 

 

loading...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق